قرية فنغجيازوو الغربية، بلدة يوتينغ، شيجياتشوانغ، خبي، الصين +86-311-85660998 [email protected]
في هذه الحقبة التي تحيط بنا فيها الأضواء الزرقاء الصادرة عن الشاشات والإعلانات النيونية والإضاءة المستمرة على مدار 24 ساعة، يبدو أننا ودَّعنا الظلام الحقيقي منذ زمنٍ بعيد. ومع ذلك، فعندما تنطفئ جميع الأضواء الساطعة ويصمت العالم فجأةً، يدرك الناس فجأةً أن أكثر الضوء إثارةً للعواطف ليس بالضرورة الأشد سطوعًا، بل هو ذلك الضوء اللطيف الهادئ، والمركز، والمستعد للتعايش معك في الغرفة نفسها — كشمعةٍ مشتعلة.
الشموع، هذا الكائن الظاهري العادي، يجسِّد فلسفة رومانسية عميقة وشاعرية: فهي لا تطرد الظلام، بل تتعايش معه؛ ولا تُعلن النصر، بل توجد بصمتٍ؛ وهي ليست أبدية، لكنها ثمينةٌ بسبب زوالها المؤقت. وفي ضوئها الخافت، نستطيع أن نعيد التفكير في العلاقة الجدلية بين النور والظلام، والوجود والزوال، والوحدة والرفقة.
ⅰ الظلام ليس عدوًّا، بل هو وعاءٌ
تَعتاد الحضارة الحديثة ربط الظلام بالخطر أو الجهل أو الفشل. ونملأ كل ركنٍ بضوءٍ ساطع، كأننا بحذف الظلال نزيل الخوف. لكن الشموع تعلّمنا حكمةً أخرى: فالظلام ليس شيئًا يجب القضاء عليه، بل هو الخلفية الضرورية التي يظهر من خلالها النور.
كما يحتاج الرسام إلى المساحات البيضاء، ويحتاج الموسيقى إلى الوقفات، كذلك يحتاج الضوء إلى الظلام ليُعرِّف نفسه. وسبب الإحساس العميق الذي تثيره الشمعة يكمن بالضبط في أنها لا تحاول إضاءة المدينة بأكملها، بل تضيء بلطف مساحةً ما لمكتبٍ أو لوجهٍ أو لمحادثةٍ. وفي هذه الهالة المحدودة من النور، تعود الانتباهُ، وتنتعش الحواسُ، وتستطيع الروح أن تستقر.
في كتابه «التحليل النفسي للنار»، كتب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار: «النار هي أول معلِّمٍ للإنسانية». ولهب الشمعة هو أهدأ نارٍ وأقربها إلى القلب — فهو لا يبتلع، بل يرافق؛ ولا يزأر، بل يهمس. وهو يعلّمنا أن نبقى في الظلام بدل أن نفرّ منه.
ثانياً: الاحتراق هو الوجود: الجمالية التي تتجسَّد في مواجهة الموت والانفتاح على الحياة
دورة حياة الشمعة هي في حد ذاتها تجسيدٌ فلسفي: فهي تنير من خلال استهلاكها الذاتي. فكل شعاع من الضوء وكل جزء من الحرارة يأتيان من انصهار الشمع؛ وكل وميضٍ يُعبّر عن خطوةٍ أقرب إلى الانطفاء. وهذه السمة المتمثِّلة في «الحياة نحو الموت» تذكّرنا بالفكرة الأساسية في الوجودية: ففقط من خلال إدراكنا لنهاية الحياة يمكننا حقًّا أن نعيش حياةً ذات معنى.
نميل عادةً إلى السعي وراء الأشياء الخالدة، بينما نتجاهل جمال الزوال. فالزهور الكرزية ثمينةٌ لأنها تتفتح فقط لمدة سبعة أيام، والضوء المنبعث من الشمعة مؤثرٌ لأنه يتلاشى بسهولة. وإشعال الشمعة هو اختيارٌ واعٍ لوقتٍ مقدَّرٍ أن ينتهي، والانغماس الكامل فيه. وهذه الروح الطقسية تشكِّل مقاومةً لطيفةً أمام تافهية الحياة اليومية.
القراءة، وكتابة الرسائل، والنظر في عيون بعضنا البعض تحت ضوء الشموع، فتبدو اللحظة وكأنها تتمدد وتزداد كثافة. فنحن لم نعد نسعى وراء الكفاءة، بل ننغمس في حالة «الحضور» ذاتها. وهذا بالضبط ما يدعو إليه التيار الرومانسي: ليس القصص الكبرى، بل المشاعر العميقة والوعي الذي نعيشه في اللحظات الصغيرة.

ثالثاً: التعايش في الوحدة: الحميمية تحت ضوء الشموع
غالبًا ما ترتبط الشمعة بمفهوم «الوحدة»، لكن ما تُولِّده في الواقع هو إمكانية خاصة تتمثل في «الحضور المشترك». فشخصان يجلسان معاً في دوائر ضوء الشمعة، فتلين أنظارهما، وتتباطأ كلماتهما، وتتلاشى حدود ظليهما في تباين النور والظل. فلا يوجد ضوء ساطع من الأعلى، ولا تدخل للأجهزة الإلكترونية، بل فقط همس اللهب الهادئ وإيقاع التنفُّس.
هذه الحميمية ليست لقاءً صاخبًا، بل هي تفاهمٌ في الصمت. وكما قال ريلكه: "الحبُّ جيِّدٌ؛ لأن الحبَّ صعبٌ." والضوء الخافت للشمعة هو بالضبط الوسيط الذي يمكنه استيعاب الصعوبة والصمت والهشاشة. فهو لا يحكم ولا يقاطع، بل يحترق بهدوءٍ فحسب، موفِّرًا مساحةً لروحيْن كي يخلعا دروعهما.
حتى عندما تكون وحدك، يمكن أن تصبح الشمعة «آخرَ لطيفًا». فضوؤها لا يتطفل ولا يطالب، بل يجعلك تشعر بأنك مُرافقٌ. وهذه الرفقة غير الشخصية، على العكس من ذلك، تتيح لك مواجهة ذاتك بحريةٍ أكبر — ففي الضوء الخافت، نجرؤ أخيرًا على النظر مباشرةً إلى الخطوط الدقيقة داخلنا.
iV الرومانسية ليست خيالًا، بل هي خيارٌ لرؤية
في كثيرٍ من الأحيان، يخطئ الناس في فهم مفهوم «الرومانسية» باعتبارها وسيلةً للهروب من الواقع عبر الخيال. لكن الرومانسية الحقيقية تكمن بالضبط في اختيار إشعال شمعةٍ حتى بعد التعرف على القسوة التي يكتنفها واقع الحياة. فهي ليست إنكاراً للظلام، بل هي إصرارٌ على خلق قدرٍ من النور، وقَدْرٍ من الجمال، وقَدْرٍ من الدفء وسط الظلام.
وهذا هو بالضبط فلسفة الشمعة: قد يكون العالم بارداً، لكنني ما زلت أستطيع الاشتعال؛ وقد تكون الليلة طويلةً، لكنني مستعدٌ لأن أضيء لك لفترةٍ من الزمن.
الشموع التذكارية التي تُضاء في أنقاض الحروب، والشموع التي تُضاء في المراقبة بجانب أسرّة المرضى في المستشفيات، والشموع التي ترمز إلى الشوق للوطن في الغربة... هذه الأنوار الصغيرة لا تدّعي أبداً أنها ستغيّر العالم، ومع ذلك فإنها تثبت مراراً وتكراراً أن أصلب جوانب الإنسانية غالباً ما تتجلى في أكثر طرائقها رقةً ونعومةً.
خلاصة
شمعةٌ لا يتجاوز ارتفاعها بضعة بوصاتٍ ووزنها بضعة غرامات، وتظل مشتعلةً لبضع ساعاتٍ فقط. ومع ذلك، فإن ما تمثّله هذه الشمعة هو رغبة البشرية في النور، وإصرارها على الجمال، وإيمانها بالارتباط. وفي هذا العصر الذي يعبُد السرعة والبريق، ربما نحتاج إلى تعلُّم تقدير تلك الشمعة التي تشتعل ببطءٍ وهدوءٍ أكثر من أي وقتٍ مضى. —فهي تذكّرنا بأن النور الحقيقي ليس بعيدًا في الأفق، بل هو في اللحظة التي تختار أن تبقى فيها.
في المرة القادمة التي تُشعل فيها شمعةً، لا تعتبرها مجرد أداةٍ زخرفيةٍ أو لتنقية الرائحة فحسب. انظر إليها باهتمامٍ شديد. فداخل تلك اللهب المتلألئ تتردَّد لطافة الكون بأسره.
الأخبار الساخنة